مجلة الكترونية - الهيئة الشعبية لتحرير الجولان ( موقع غير رسمي)
نتمى قضاء وقت ممتع في ربوع المقاومة

مجلة الكترونية - الهيئة الشعبية لتحرير الجولان ( موقع غير رسمي)

الهيئة الشعبية لتحرير الجولان : وهي هيئة سياسية ـ اجتماعية ـ عسكرية تضم في صفوفها أبناء الجولان و أبناء القطر العربي السوري و الأحرار من البلدان العربية وتفتح الهيئة باب الانتساب لكل من أتم الثامنة عشرة من عمره و أطلع على النظام الداخلي ووافق عليه
 
البوابةالبوابة  تحرير الجولان تحرير الجولان  الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

دمشق: الإنفجار في المزة ناجم عن محاولة لاستهداف مطار المزة العسكري   مقتل قائد لواء الرقة الإسلامي و36 من عناصره بعملية للجيش قرب الفرقة 17


شاطر | 
 

 في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل القائد التاريخي حافظ الأسد حافظ الأسد ...محاولة للتحليق في عوالمه الرحيبة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد أحمد العبدالله
Admin
avatar

عدد المساهمات : 299
تاريخ التسجيل : 26/07/2011

مُساهمةموضوع: في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل القائد التاريخي حافظ الأسد حافظ الأسد ...محاولة للتحليق في عوالمه الرحيبة   الأربعاء يونيو 12, 2013 7:17 am

في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل القائد التاريخي حافظ الأسد
حافظ الأسد ...محاولة للتحليق في عوالمه الرحيبة

صفوان قدسي

عضو اللجنة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية
الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي

(1)
ربَّ حال أفصح من لسان.
أليس في هذا الكلام ما يغنينا عن أي كلام؟.
أليس في هذا الكلام ما يدعونا إلى الاستغناء عن اللسان بإفساح المجال أمام الحال لكي يقول ويفصح ويعرب؟.
ومع ذلك، فإن اللسان الذي لا يمتلك قدرة الحال على الإفصاح والإعراب، يظل الأداة المتاحة للتعبير، والوسيلة الممكنة للتقرير، إذا تجاوزنا قليلاً المعنى الحرفي للسان إلى المعنى المجازي الذي لا يقف عند الكلمة المنطوقة فحسب، وإنما يتخطاها إلى الكلمة المكتوبة، لأن اللسان هنا هو اللغة، واللغة هي اللغة، منطوقة أو مكتوبة، مسموعة أو مقروءة.
ومع أن الحال أفصح من اللسان في التعبير عن حافظ الأسد، فإن الاستغناء عن اللسان استغناء عن اللغة التي هي وسيلة التعبير وأداة التواصل، وهو أمر يبدو ضرباً من المحال. وإلا فما معنى أن نتكلم ونكتب ونؤلف إذا كان ذلك كله لا يرقى إلى مستوى القدرة على الإفصاح عن الحال؟.

(2)
ليس هذا الذي نقول نوعاً من اللغو الذي لا طائل منه، ولا شكلاً من أشكال السفسطة التي اعتاد البعض منا، خطأ أو صواباً، التعامل معها بقدر كبير من الهزء والسخرية، وإنما هذا الذي نقول نوع من التبحر في عالم اللغة الذي يبدو في حالات معينة، من مثل الحالة التي نحن فيها الآن، أقلَّ اتساعاً، وأضيق مجالاً، وأدنى قدرة على التعبير عما نحاول التعبير عنه، والإفصاح عما نسعى إلى الإفصاح عنه.

(3)
ومع ذلك، فإن المحاولة تبدو أمراً لا مفر منه.
دعونا ندخل إلى عالم حافظ الأسد الرحيب، ونلتقط بأبصارنا تلك المشاهد التي لا تقع عليها عين إلا وتعتري صاحبها حالة من الانبهار، لكنه الانبهار الذي لا يحجُب الرؤية الصائبة، ولا يوقع في الغشاوة المضللة، لأنه الانبهار العاقل، ولأنه الانبهار المبصر.
دعونا نحاول اجتياز المسافات والاقتراب، بقدر ما هو ممكن ومتاح، من هذه الظاهرة الفريدة والمتفردة التي هي أشبه ما تكون بالسهل الممتنع الذي يبدو للوهلة الأولى مشهوداً أمام الباصرة والبصيرة، لا يستغلق على محاولة استجلاء معانيه، واستيضاح مقاصده، لكنه سرعان ما يمتنع ويتمنع بحيث يغدو هذا الامتناع وذاك التمنع حاجزاً شاهقاً لا يمكن مطاولته، بحيث يتحول هذا الامتناع وذاك التمنع إلى قصر جميل، لكن أبوابه مغلقة، وبواباته مقفلة، ومفاتيحه محفوظة في مكان لا أحد يعرفه على الإطلاق.

(4)
وحين نحاول ذلك كله، ونحن نعرف مسبقاً حجم الصعوبات والعثرات التي تكتنف هذه المحاولة، وزلات القلم أو القدم التي يمكن أن نقع فيها، فإننا سوف نشهد ونشاهد حقائق ساطعة وناصعة.

(5)
من ذلك مثلاً أننا سوف نشهد ونشاهد الحقيقة القائلة إن حافظ الأسد يمتلك من القدرة على الاستشفاف ما قلَّ مثيله، تماماً مثلما يمتلك من القدرة على الاستكشاف ما عزَّ نظيره.

(6)
ومن ذلك مثلاً أننا سوف نشهد ونشاهد كيف رأى فأحسن الرؤية، وكيف استبصر فأجاد الاستبصار، وكيف قدَّر فكان تقديره التقدير الصحيح والدقيق والسليم، وكيف توقع فكان في توقعه قادراً ومقتدراً، وكيف قال فكان قوله القولَ الفصل.

(7)
ومن ذلك مثلاً أننا سوف نشهد ونشاهد كيف أمسك البطل بميزان بالغ الدقة، بحيث أمكن التوفيق بين عناصر تبدو للوهلة الأولى عناصر متناقضة ومتعارضة ومتنافرة. هذه العناصر هي الثوابت القومية، والواقعية المبدئية، والمتغيّرات الدولية.
هذا الميزان البالغ الدقة والشديد الحساسية، هو الذي مكَّن القائد الخالد من التعامل مع واقع شديد التعقيد، وتتداخل عناصره وعوامله تداخلاً يجعل القدرة على التمييز بينها أمراً عسير المنال. لكن البطل برؤيته التاريخية والمستقبلية في آن معاً أفلح في القيام بعملية فرز ذكية لهذه العناصر والعوامل المتشابكة والمتداخلة، بحيث أمسك بكل عنصر من هذه العناصر، وقبض على كل عامل من هذه العوامل، الأمر الذي مكَّنه في نهاية المطاف من التعامل معها التعامل الملائم والمناسب. ولم يكن ذلك ممكناً لولا أن البطل تجاوز الوثوقية السياسية والعقائدية، لكنه لم يقترب في الوقت نفسه من أي شكل من أشكال الذرائعية. لقد أحسن الإمساك بالثوابت القومية، وتحلى في الوقت نفسه بالواقعية، لكنها هنا الواقعية المبدئية، واقعية المناضلين لا واقعية المستسلمين، وامتلك رؤية المتغيّرات الدولية بدقة قل مثيلها عند قائد آخر، حتى قبل وقوعها، وكان من شأن ذلك كله أن يجعله قادراً على التعامل مع هذه المعادلة الصعبة، التعامل الذي حوَّلها إلى معادلة قابلة للتصحيح والتنقيح بما يتفق ويتوافق مع مصالحنا الوطنية والقومية العليا.

(8 )
ومن ذلك مثلاً أننا سوف نشهد ونشاهد ذلك الإيمان المزروع في القلب وفي العقل في آن معاً، والذي لم تزعزعه العواصف والأعاصير، والذي لم تبدله الأحداث ولا الخطوب. هذا الإيمان الذي أشير إليه وأومئ، ليس سوى إيمان القائد الخالد بأمته العظيمة، تاريخاً وحضارة وثقافة وتراثاً وقيماً روحية وتجارب وخبرات متراكمة ومخزوناً نضالياً يتوارثه الأبناء عن الآباء، ويبقى محفوظاً في الذاكرة التاريخية التي تبدو للبعض وقد عصف بها الوهن والضعف، لكنها سرعان ما تستعيد قدرتها على استحضار هذا المخزون الهائل واستخراجه وتوظيفه في الوقت المناسب التوظيف الذي يؤكد أن هذه الأمة، بما تمتلكه من طاقات كامنة، وقدرات غير منظورة، سوف تظل على الدوام الأمة المؤهلة لمواجهة المحاولات المحمومة التي يبذلها الأعداء لشل هذه الطاقات، وإهدار القدرات، وإصابة الأمة بحالة من التبلد العقلي، والإغماء الفكري، والكساح السياسي.

(9)
ومن ذلك مثلاً أننا سوف نشهد ونشهد كيف أن القائد الخالد ظل على الدوام يرفع رايات الوحدة العربية وأعلامها عالية خفاقة، انطلاقاً من قناعات راسخة بأن الوحدة في حياتنا، كذلك قال الأسد، حقيقة كبرى لا تفوقها ولا تساويها حقيقة أخرى، وبأن التجزئة استثناء، والأمر الطبيعي هو أن تتوحد الأمة، وبأن كل الحلول التي نبحث عنها في ظل التجزئة تبقى جزئية، فلنقاوم التجزئة، ولنحاربها بغير هوادة، فإذا انتصرنا في حربنا ضد النجزئة، فقد انتصرنا في كل حرب، وكان القول الفصل الذي ارتقى فيه بالخطاب الوحدوي العربي إلى مستويات لم يبلغها من قبل، قوله إن العدوان الاستراتيجي على الأمة العربية هو عدوان التجزئة.

(10)
ومن ذلك مثلاً أننا سوف نشهد ونشاهد ذلك الإعلاء الرائع لدور الإنسان في التاريخ. إنه الإعلاء للشرط الذاتي دون أي تقليل من شأن الظرف الموضوعي. ذلك أن التاريخ مزيج من هذا الشرط الذاتي وذاك الظرف الموضوعي، لكنه ليس مزيجاً متكافئاً ومتوازناً بالضرورة، لأن مملكة الإنسان ليست محكومة بقوانين عمياء صماء بكماء، كما هي الحال في مملكة الطبيعة، وإنما هي محكومة بإرادة الإنسان القادرة على ترويض الواقع وتطويعه، وعلى تغييره وتبديله.

(11)
ومن ذلك مثلاً أننا سوف نشهد ونشاهد تلك القدرة الفريدة على استحضار التاريخ استحضاراً يكون من شأنه أن يجعلنا قادرين على قراءة الواقع قراءة صحيحة، وعلى استجلاء معالم الخارطة السياسية لعالمنا المعاصر استجلاء يجنبنا الوقوع في الخطأ، ويجعلنا نتحسس جيداً موطئ أقدامنا.
هذه القدرة على استحضار التاريخ لا تكتفي بأن تجعلنا قادرين على ذلك كله، وإنما تضيف إليه مسألة بالغة الأهمية وهي امتلاكنا القدرة على ارتياد آفاق المستقبل والتحليق في فضاءاته الفسيحة، واستكشاف ما هو مقبل علينا وآت، واستبصار التحولات والتبدلات من خلال إجادة الإصغاء إلى وقع خطى المستقبل، بكل ما يميط اللثام عنه هذا الإصغاء، وبكل ما يجعل هذا الإصغاء قادراً على تمكيننا من الاستشفاف والاستكشاف.

(12)
ومن ذلك مثلاً أننا سوف نشهد ونشاهد تلك المقدرة الفائقة على صنع القرار السياسي الآخذ بالحُسبان مجموعة العناصر المتحققة والمتجسدة على أرض الواقع. والقرار السياسي الذي لا يستمد مشروعيته من إحاطة شاملة بالظروف القائمة، يغدو في نهاية المطاف نوعاً من المقامرة. فالقرار السياسي الصحيح والسليم هو القرار الذي يستمد مشروعيته من فهم عميق للواقع، ومن فهم أعمق للممكن. ذلك أن الممكن ليس دائماً هو الواقع، ففي الواقع نفسه إمكانات متاحة، وخيارات ممكنة، تحتاج إلى من يميط عنها اللثام ليغدو تغيير الواقع وتبديله أمراً متاحاً.

(13)
تلكم مجرد نماذج وعينات مما يمكن أن نشهد ونشاهد حين نحاول الدخول إلى ذلك العالم الرحيب، وحين نحاول اجتياز المسافات والاقتراب، بقدر ما هو ممكن ومتاح، من هذه الظاهرة الفريدة والنادرة التي برزت في حياتنا الوطنية والقومية ظهوراً واضحاً وجلياً، وكان لها قبل ذلك أيضاً دور فاعل ومؤثر. هذه الظاهرة التي أشير إليها وأومئ، وبالتحديد الجامع والمانع، وبالكلمة الفاصلة والقول الفصل، ليست سوى حافظ الأسد.

(14)
أما حافظ الأسد، فإن الكتب والمجلدات لا تتسع للحديث عنه وعن خصاله وشمائله وسجاياه، فهو الكبير فينا وهو العظيم، وهو العقل المفكر والدماغ المدبر، وهو صانع التاريخ المقتدر، وهو المبدع والمبتكر. إنه الشجاعة العاقلة والحكمة الجسورة. وهو العفة والطهارة، والاستقامة والنزاهة. إنه الصلب بغير تصلب، والشديد بغير تشدد، والمؤمن بغير تعصب. إنه التصميم والمثابرة، والصبر والمصابرة، والتجسيد للأمة في رجل، والاختزال لها في بطل، والتعبير عنها في قائد تاريخي. إنه ذلك كلُّه، وهذا الكل يعدو أن يكون غيضاً من فيض. وفي ذكره يتعثر اللسان، وترتبك الكلمات، لأن في ذكره استذكاراً لحقيقة ساطعة وناصعة، وهي أن عوالمه الرحيبة بغير حدود، وفضاءاته الفسيحة بغير نهايات، وآفاقه الشاسعة تحار في الحديث عنها الكلمات، وتضطرب المصطلحات، وترتبك المعاجم والمجلدات، لأنه الأكبر دائماً من كل الكلمات، والأكبر دائماً من كل المصطلحات، والأكبر دائماً من كل المعاجم والمجلدات.

(15)
في فضاءاته الفسيحة، وفي عوالمه الرحيبة، وفي محيطاته الشاسعة وفي مدرسته الكبرى، حلقنا وتجولنا وأبحرنا وتعلمنا.
وحين نمعن النظر جيداً في كل هذا الذي فعلناه، فإننا سوف نقع لا محالة على الحقيقة الساطعة، وهي أن هذه الحقبة من تاريخنا الوطني، ومن عملنا السياسي، ومن نشاطنا الفكري، لم تكن لحظة عابرة في التاريخ، وإنما كانت فعلاً حاسماً في هذا التاريخ، أمكن معه الانتقال مما كنا فيه إلى ما ينبغي أن نكون عليه، تماماً مثلما أمكن معه الانطلاق صوب آفاق المستقبل، وفي اتجاه أهدافنا المرسومة وغاياتنا المنشودة.

(16)
دعونا نستنطق تلك الحقبة من تاريخنا، ففي هذا الاستنطاق تذكير ببعض مما يمكن لذاكرتنا أن تكون قد غيبته في مجاهل النسيان، واستذكار لما ينبغي أن يظل على الدوام حاضراً فينا، ماثلاً أمامنا، ناطقاً بما هو فيه، مفصحاً عما هو عليه، واضعاً الحق والحقيقة أمام أبصارنا وبصائرنا، لا يحجبنا عن ذاتنا، ولا يسلبنا من تاريخنا، ولا ينأى بنا عن نجاحاتنا وإنجازاتنا.

(17)
دعونا نحاول استجلاء المعالم، ففي هذا الاستجلاء استجلاء ليس لما هو ماض فحسب، وإنما لما هو مقبل أيضاً وآت. ودعونا نستوضح الملامح، ففي هذا الاستيضاح استيضاح لما كنا فيه، ولما صرنا إليه. ودعونا نستكشف الحقائق، ففي هذا الاستكشاف استكشاف لبعض مما يحاول البعض حذفه، ولبعض آخر مما يحاول البعض طمسه. ودعونا نحاول استعادة الوقائع، ففي هذه الاستعادة استعادة لمعانيها العميقة، ودلالاتها البعيدة، وتثبيت لهذه المعاني والدلالات، وترسيخ وتكريس وتجذير. ثم دعونا بعد ذلك كله نستحضر ما يمكن استحضاره من تفاصيل هذا المشهد المهيب، ففي هذا الاستحضار استحضار لكل ما من شأنه ألا يجعل الفهم مستغلقاً، والاستيعاب مستعصياً.

(18)
وحين نستجلي المعالم، فإننا نستجلي، في جملة ما نستجلي، كيف أن هذه الحقبة من تاريخنا إنما كانت الحقبة التي فعلنا فيها فعلنا في التاريخ، دفعاً وتحريكاً، تطويعاً وترويضاً، تغييراً وتبديلاً، تماماً مثلما كانت الحقبة التي قدمت البرهان والدليل على أن دور البطل في التاريخ ليس مما يمكن أن تغفل عنه عين، أو أن تصم السمع عنه أذن، فهذا الدور مغروسة جذوره في أعماق الواقع، ومحلقة أغصانه في فضاء الحقيقة، وهو دور يفصح عن نفسه أوضح إفصاح، ويعرب عن ذاته أبلغ إعراب.

(19)
وحين نستوضح المعالم، فإننا نستوضح في جملة ما نستوضح، حقيقة مفادها أنه بغير امتلاك المخيلة السياسية النشطة، فإن القدرة على استكشاف الحاضر واستشفاف المستقبل، تبدو قدرة شبه معدومة. ذلك أن هذه المخيلة السياسية النشطة هي التي تجعل صاحبها قادراً على رسم الحدود الفاصلة بين ما هو عارض وطارئ ومؤقت، وبين ما هو ثابت ودائم ومستمر، تماماً مثلما تجعله قادراً على الغوص بعيداً في أعماق الواقع، وصولاً إلى الحقيقة النقية والصافية، غير عابئ بمحاولة تبذل هنا أو هناك لتغيير كيمياء العقل، وإصابة مراكزنا العصبية بالشلل، وإفقادنا القدرة على الإبصار، وغير آبه بجهد يصرف هنا أو هناك لإصابة إرادتنا السياسية بالكساح، وضرب قدرتنا على اتخاذ القرار.

(20)
وحين نستكشف الحقائق، فإننا نستكشف في جملة ما نستكشف، كيف أن الرؤية الشاملة هي الرؤية الوحيدة الصحيحة. ذلك أنه بغير امتلاك هذه الرؤية الشاملة، فإننا سرعان ما نضل الطريق، ونفقد المؤشر والمرشد والدليل، ونضيع في زحمة التفاصيل المشتتة، وأشلاء الواقع المبعثرة، انطلاقاً من حقيقة مؤكدة وهي أن هذه الرؤية الشاملة هي التي تمكننا من ألا يشغلنا حادث عارض، أو واقعة طارئة، أو لحظة هاربة من التاريخ، عن رؤية الواقع واستكناه حقيقته، تماماً مثلما نستكشف كيف أن هذه الرؤية الشاملة هي، بطبعها وطبيعتها، رؤية قومية، وهي نقيض الرؤية القطرية القاصرة والعاجزة والكسيحة والضالة والمضللة. ذلك أن الرؤية القومية هي التي تجعلنا قادرين على أن نرى التجزئة على أنها حالة تنفي حقيقتنا التاريخية، وهي أننا أمة واحدة، نمتلك تاريخاً واحداً، وتراثاً واحداً، وحضارة واحدة، وثقافة واحدة، ولغة واحدة، وشخصية قومية واحدة، تماماً مثلما نمتلك آمالاً واحدة، وتطلعات مشتركة، ومصيراً موحداً. وهي التي تجعلنا قادرين على أن نرى التجزئة على أنها استثناء، والأمر الطبيعي هو أن يتوحد الأهل، تتوحد الأمة، كذلك قال الأسد، وعلى الاستجابة إلى نداء الأسد حين قال لنا في عبارة موجزة لكنها معبرة، فلنقاوم التجزئة، ولنحاربها بغير هوادة، فإذا انتصرنا في حربنا ضد التجزئة، فقد انتصرنا في كل حرب. وعلى التجاوب مع ما قاله الأسد من أن كل الحلول التي نبحث عنها في ظل التجزئة تبقى جزئية. ولكي نحقق الحلول الجذرية، فإنه يجب أن نحقق الوحدة. وعلى استيعاب ما قاله الأسد من أن أي جهد يبذل من أجل إقامة نظام العدل الاجتماعي، من خلال واقع التجزئة، لن يكون إلا الحل الجزئي لمشكلات الإنسان العربي، ولن يكون متناسباً إلا مع واقع التجزئة. وعلى الإحاطة بما قاله الأسد من أنه من أجل التصدي نريد الوحدة. من أجل الصمود نريد الوحدة. من أجل التحرير نريد الوحدة. من أجل فلسطين نريد الوحدة. من أجل الكرامة العربية نريد الوحدة. من أجل الحرية نريد الوحدة. من أجل الوحدة نريد الوحدة. وعلى الاقتداء بما قاله الأسد، وقوله دائماً هو القول الفصل، وهو أن هدف الوحدة إذا ما تحقق، فسيكون الطريق إلى حل كل مشكلاتنا، وسيكون الغاسل الجذري لكل الرواسب العفنة التي تعوق مسيرة أمتنا.

(21)
وحين نستعيد الوقائع، فإننا نستعيد في جملة ما نستعيد، كيف أمكن الانتقال من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، أي كيف أمكن الانتقال من الوجود الممكن إلى الوجود المتحقق، ومن الوجود الكامن إلى الوجود المتجسد. وكان من شأن هذا الانتقال أن يحدث في حياتنا تحولات كبرى، بعضها كمي، وبعضها الآخر نوعي. وكان من شأنه أيضاً أن يستنهض الطاقات، وأن يستحث القدرات، وأن يستخرج من مخزوننا التاريخي ما كان كفيلاً بأن يفعل فعله المؤثر في حياتنا، نهوضاً وارتقاء، عملاً وبناء، حركة واندفاعاً، وأن يحرر مخزوننا الحضاري والثقافي مما كان مكبلاً به من قيود وأغلال، بحيث امتلكنا تلك الطاقة الروحية التي مكنتنا من أن نفعل ما كان فعله ضرباً من المحال، وأن نحقق ما كان تحقيقه عسير المنال.

(22)
وحين نستحضر ما يمكن استحضاره من تفاصيل هذا المشهد المهيب الذي لا يستغلق على الفهم ولا يستعصي على الاستيعاب، فإننا نستحضر في جملة ما نستحضر من تلك الرؤية التاريخية التي ترفض الإذعان لسطوة اللحظة الراهنة وسلطانها، والتي تأبى الانصياع إلى هيمنة هذه اللحظة لترى إلى الصورة في كليتها وشموليتها. وحين تضيع هذه الرؤية التاريخية، فإن اللحظة الراهنة تغدو مطلقة السيادة بغير منازع، تماماً مثلما تبدو أنها ربحت معركتها في تقطيع أوصال التاريخ، وانتصرت في سعيها إلى تثبيت كتفي التاريخ. وحين وقف القائد ليقول إن سورية تعمل من أجل خلق الظروف المناسبة لإنضاج العوامل المادية والمعنوية لأمتنا بما يحقق لها تلافي الخطر والمحافظة على حقوقها القومية، فإن ذلك كان تعبيراً أصيلاً عن هذه الرؤية التاريخية الصافية. وحين وقف المعلم ليقول إن على من جهل أو تجاهل أن يدرك أن قضايا الأمم ليست حكر مرحلة ضيقة من الزمن، ولا تحسمها عوامل ومستجدات لا جذور لها، أو سطحية الجذور، فإن ذلك كان تعبيراً مماثلاً عن هذه الرؤية التاريخية ذات الحساسية الفريدة والشفافية النادرة. هذه الرؤية التاريخية التي تتمرد على محاولات اللحظة الراهنة لإملاء قرارها علينا، وإرغامنا على الإذعان والانصياع لهذا القرار، هي التي جعلتنا نمتلك القدرة على التمييز بين واقعية المناضلين وبين واقعية المستسلمين، وعلى إقامة حدود واضحة المعالم بين المرونة السياسية وبين التفريط بالحقوق القومية والتاريخية. كذلك فإننا حين نستحضر ما يمكن استحضاره من هذا المشهد المهيب، فإننا نستحضر هذا الذي يمكن أن نطلق عليه اسم اكتشاف الذات، فمن هذا الاكتشاف، تدفقت هذه الطاقات، وانطلقت تلك القدرات، وأمكن الغوص بعيداً في أعماق شخصيتنا القومية وتكويننا الحضاري، فكان من شأن ذلك أن يجعلنا أكثر قدرة على معرفة مخزوننا التاريخي، وطاقتنا الروحية، وجذرنا الثقافي، الأمر الذي مكننا من استخراج هذا المخزون وتوظيفه التوظيف المناسب، واستثماره الاستثمار الملائم، ووضعه في خدمة الأهداف الشريفة والغايات النبيلة التي نسعى إلى تحقيقها، فكان اكتشاف الذات اكتشافاً لحقيقتنا الغائبة أو المغيبة بفعل مجموعة عوامل وأسباب، وهو اكتشاف فعل فعله المؤثر في تعريفنا على ذاتنا القومية التي تختزل تاريخنا وحضارتنا، والتي تفصح عن مضمون تراثنا وثقافتنا.

(23)
تلكم مجرد نماذج قليلة مما يمكن استجلاؤه واستيضاحه واستكشافه واستعادته واستحضاره، لكن هذا القليل القليل يقول لنا الكثير الكثير.
وفي استنطاق هذه الحقبة من تاريخنا استنطاق لحقائق تستعصي على العدِّ والحصر. إنه استنطاق لتلك الإرادة التي حررها الأسد من قيودها وأصفادها، ولتلك القدرة الفريدة على استحضار التاريخ واستشفاف المستقبل، ولتلك الموهبة المفطورة على ارتياد الآفاق البعيدة والشاسعة، ولتلك الفتوحات الفكرية والسياسية التي تحققت في حياتنا الوطنية والقومية، ولذلك السبق المبكر في اكتشاف أهمية التعددية الحزبية والسياسية، واستكشاف ضرورة الوحدة الوطنية، ولذلك الإصرار غير المسبوق على أنه ليس بين أهداف النضال العربي هدف يتعرض إلى غارات الأعداء كهدف الوحدة، ولتلك الصيحة المدوية التي أطلقها الأسد واختزل بها حقيقة التجزئة، وهي أن العدوان الاستراتيجي على الأمة العربية هو عدوان التجزئة، ولذلك الإنصات البالغ الحساسية إلى وقع خطا التاريخ وإلى وقع خطا المستقبل، ولتلك القدرة المتميزة على قراءة الخارطة السياسية قراءة صحيحة مقرونة بقدرة مماثلة على قراءة المتغيرات الدولية قراءة سليمة، ولذلك القدر غير المحدود من الطهارة والنزاهة، ومن الحذق والمهارة، ومن الحنكة والبراعة، ومن المرونة المحسوبة، ومن الصلابة المدروسة، ومن العزوف عن النقل والاستعارة، ومن الإيمان بالأمة وخصوصيتها القومية، ومن الاعتزاز بتاريخها والافتخار بتراثها، ومن المزج المتكافئ والمتوازن بين القول والفعل، وبين الفكر والممارسة، وبين النظرية والتطبيق.

(24)
أما حافظ الأسد، فإنه يستحق منا دائماً، وفي كل الأوقات، الكثير الكثير. لكن هذا الكثير الكثير لن يفي العظيم حقه، ففي فضاءاته حلقنا، وفي عوالمه تجولنا، وفي محيطاته أبحرنا، وفي مدرسته تعلمنا. ومنه، ومنه وحده، نستوحي ونستلهم. ومنه، ومنه وحده، نستمد الشعور بالأمن والأمان، وبالطمأنينة والاطمئنان. ومنه، ومنه وحده، نستنهض ما هو كامن فينا من طاقات، ونستحضر ما هو مختبئ في أعماقنا من قدرات. ومنه، ومنه وحده، نمتلك الشجاعة والإقدام، ونسقط من حسابنا التردد والإحجام. إنه يستحق منا أن نرتقي بأدائنا السياسي إلى المستويات التي تليق بحقبته، وهو يستحق منا أن نحسن التصرف، وأن نعمّق الإيمان، وأن نجذر الالتزام، وأن نجيد القراءة والاجتهاد، وأن نتمثل سلوكه وخلقه، عفة وطهارة، نزاهة واستقامة، وأن نمتثل لما يريد لنا أن نكون عليه، عملاً دؤوباً وجهداً موصولاً، وأن نترفع عما ينبغي الترفع عنه، وأن نعصم أنفسنا عن الوقوع فيما لا يجوز الوقوع فيه، وأن نتقي مواطن الشبُهات، وأن نتعلم منه مكارم الأخلاق.

(25)
لقد كان الكبير فينا والسيد. كان القدوة لنا والمثل. لقد شيد الوطن، وأعلى الصروح، وحصَّن الحدود، وسيجَّ الوجود، ورسَّخ القيم، وكرَّس المثل، وصلَّب الإرادة، وجذر المبادئ، وكان حضوره في حياتنا، وفعله في تاريخنا، وقيادته لمسيرتنا، وتجسيده لوحدتنا، وما إلى ذلك من الكثير الكثير الذي يتعذر عده، ويصعب حصره، حضوراً باهراً، وفعلاً حاذقاً، وقيادة نادرة، وتجسيداً أصيلاً، صادقاً وأميناً.
ولم لا؟.
أليس هو حافظ الأسد؟.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://www.facebook.com/m.a.a.m.mksor?ref=tn_tnmn
 
في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل القائد التاريخي حافظ الأسد حافظ الأسد ...محاولة للتحليق في عوالمه الرحيبة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مجلة الكترونية - الهيئة الشعبية لتحرير الجولان ( موقع غير رسمي) :: الصفحة الرئيسية :: مقاومة أهلنا في الجولان-
انتقل الى: